إخوان الصفاء

441

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

العقول ، أي أن الشيء المعلول لا يكون علّة نفسه ، ولكن من أجل أن كثيرا ممن يتعاطى البرهان ربما جعل المعلول علّة لنفسه ، وهو لا يشعر لطول الخطاب . مثال ذلك من يتعاطى علم الطبيعيات ، إذا سئل : ما علّة كثرة الأمطار في بعض السّنين ؟ فيقول : كثرة الغيوم . فإن سئل : ما علّة كثرة الغيوم ؟ فيقول : كثرة البخارات المتصاعدة من البحار والآجام في الهواء . فإن سئل : ما علّة كثرة البخارات المتصاعدة ؟ فيقول أو يظن : كثرة المدود وانصباب مياه الأنهار والأودية والسيول إلى البحار . فإن سئل : ما علّة كثرة المياه والمدود والسيول إلى البحار ؟ فيقول : كثرة الأمطار . فعلى هذا القياس يلزمه أن علّة كثرة الأمطار هي كثرة الأمطار ، فمن أجل هذا يحتاج صاحب البرهان أن يقول : إحدى العلل كيت وكيت ، والثانية والثالثة والرابعة ، ليسلم من الاعتراض ، إذ قد تكون الغيوم كثيرة ، والأمطار قليلة ، لأن لكلّ شيء معلول أربع علل كما بيّنّا في رسالة العلل والمعلومات . فصل في أن المعلول لا يوجد قبل العلة وقوله : أن لا يكون المعلول قبل العلة ، فهذا أيضا بيّن في أوائل العقول ، لأن المعلول لا يكون قبل العلّة ، ولكن من أجل أنهما من جنس المضاف إنما يوجدان معا في الحسّ ، وإن كانت العلّة قبل المعلول بالعقل ، حتى ربما يشكل ، فلا تتبيّن العلّة من المعلول ؛ مثال ذلك إذا سئل من يتعاطى علم الهيئة : ما علّة طول النهار في بلد دون بلد ؟ فيقول : كون الشمس فوق الأرض هناك زمانا أطول . وإذا عكس هذه القضية وقيل : كلّ بلد يكون فيه مكث الشمس فوق الأرض أكثر ، فنهاره أطول ، فتصدق ، فيخفى على كثير ممن ليست له رياضة بالتعاليم ، أيّهما علّة للآخر ،